فخر الدين الرازي
380
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
واعلم أنه تعالى من تمام تأديبه قال للمنهزمين يوم أحد : إن لكم بالأنبياء المتقدمين وأتباعهم أسوة حسنة ، فلما كانت طريقة أتباع الأنبياء المتقدمين الصبر على الجهاد وترك الفرار ، فكيف يليق بكم هذا الفرار والانهزام ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير « وكائن » على وزن كاعن ممدوداً مهموزاً مخففا ، وقرأ الباقون « كأين » مشدوداً بوزن كعين وهي لغة قريش ، ومن اللغة الأولى قول جرير : وكائن بالأباطح من صديق * يراني لو أصيب هو المصاب وأنشد المفضل : وكائن ترى في الحي من ذي قرابة . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو قتل معه والباقون قاتَلَ مَعَهُ فعلى القراءة الأولى يكون المعنى أن كثيرا من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعدهم ما وهنوا في دينهم ، بل استمروا / على جهاد عدوهم ونصرة دينهم ، فكان ينبغي أن يكون حالكم يا أمة محمد هكذا . قال القفال رحمه اللّه : والوقف على هذا التأويل على قوله : ( قتل ) وقوله : ( مَعَهُ رِبِّيُّونَ ) حال بمعنى قتل حال ما كان معه ربيون ، أو يكون على معنى التقديم والتأخير ، أي وكأين من نبي معه ربيون كثير قتل فما وهن الربيون على كثرتهم ، وفيه وجه آخر ، وهو أن يكون المعنى وكأين من نبي قتل ممن كان معه وعلى دينه ربيون كثير فما ضعف الباقون ولا استكانوا لقتل من قتل من إخوانهم ، بل مضوا على جهاد عدوهم ، فقد كان ينبغي أن يكون حالكم كذلك ، وحجة هذه القراءة أن المقصود من هذه الآية حكاية ما جرى لسائر الأنبياء لتقتدي هذه الأمة بهم ، وقد قال تعالى : أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [ آل عمران : 144 ] فيجب أن يكون المذكور قتل سائر الأنبياء لا قتالهم ، ومن قرأ قاتَلَ مَعَهُ فالمعنى : وكم من نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوهم قرح فما وهنوا ، لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل اللّه وطاعته وإقامة دينه ونصرة رسوله ، فكذلك كان ينبغي أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد . وحجة هذه القراءة أن المراد من هذه الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في القتال ، فوجب أن يكون المذكور هو القتال . وأيضاً روي عن سعيد بن جبير أنه قال : ما سمعنا بنبي قتل في القتال . المسألة الثالثة : قال الواحدي رحمه اللّه : أجمعوا على أن معنى « كأين » كم ، وتأويلها التكثير لعدد الأنبياء الذين هذه صفتهم ، ونظيره قوله : فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها [ الحج : 45 ] وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها [ الحج : 48 ] والكافي في « كأين » كاف التشبيه دخلت على « أي » التي هي للاستفهام كما دخلت على « ذا » من « كذا » و « أن » من كأن ، ولا معنى للتشبيه فيه كما لا معنى للتشبيه في كذا ، تقول : لي عليه كذا وكذا : معناه لي عليه عدد ما ، فلا معنى للتشبيه ، إلا أنها زيادة لازمة لا يجوز حذفها ، واعلم أنه لم يقع للتنوين صورة في الخط إلا في هذا الحرف خاصة ، وكذا استعمال هذه الكلمة فصارت كلمة واحدة موضوعة للتكثير . المسألة الرابعة : قال صاحب « الكشاف » : الربيون الربانيون ، وقرئ بالحركات الثلاث والفتح على القياس ، والضم والكسر من تغييرات النسب . وحكى الواحدي عن الفراء أنه قال : الربيون : الأولون ، وقال الزجاج : هم الجماعات الكثيرة ، الواحد ربي ، قال ابن قتيبة : أصله من الربة وهي الجماعة ، يقال : ربي كأنه نسب إلى الربة . وقال الأخفش : الربيون الذين يعبدون الرب ، وطعن فيه ثعلب ، وقال : كان يجب أن يقال : ربي ليكون منسوبا إلى الرب ، وأجاب من نصر الأخفش وقال : العرب إذا نسبت شيئاً إلى شيء غيرت حركته ، كما يقال : بصري في النسب إلى البصرة ، / ودهري في النسبة إلى الدهر ، وقال ابن زيد : الربانيون الأئمة